Home / خاص الموقع / ما أوجه الشّبه بين معركتي تحرير حلب بالأمس والغوطة الشرقية اليوم؟

ما أوجه الشّبه بين معركتي تحرير حلب بالأمس والغوطة الشرقية اليوم؟

ربما تتشابه الكثير من معارك التحرير في سوريا، وحيث امتدت الحرب لأكثر من سبع سنوات وطالت أغلب المناطق السورية تقريبا، يبقى للمقارنة بين معركة تحرير مدينة حلب في أواخر العام 2016 والمعركة المرتقبة لتحرير الغوطة الشرقية، أبعاد ومعطيات تستحق التوقف والمتابعة، ويمكن تلخيصها بما يلي:
– الهدف هو نفسه ويصب في إطار استكمال تحرير كامل الجغرافيا السورية، وحيث شكلت معركة تحرير الأحياء الشرقية لمدينة حلب – وبالتالي تحرير كامل المدينة – نقطة ارتكاز استراتيجية، ساهمت بفتح الخطوط الميدانية المناسبة لتحرير القسم الاكبر في شمال وفي شرق سوريا، يعتبر تحرير الغوطة الشرقية هدفا استراتيجيا آخر، سيُشَكّل عند اكتماله قريبا، نقطة ارتكاز أساسية لإقفال اغلب بؤر التآمر الإرهابية في سوريا وعليها.
– صحيح أن معركة تحرير حلب استدعت حينها وضع جهود كبيرة من الجيش العربي السوري ومن حلفائه في محور المقاومة، نظرا لتعدد المحاور التي اعتمدتها الوحدات المهاجمة، ونظرا للعدد الكبير من المسلحين الارهابيين الذين كانوا يتحصنون داخل أحيائها، ولكن ايضا تستدعي معركة تحرير الغوطة الشرقية اليوم، وضع جهود مماثلة تقريبا، لان المناورة تتطلب إطباق الحصار على كامل المحيط الواسع لمدنها وبلداتها، والتي تتمتع جبهات المدافعة عنها بخطوط دفاعية محصنة ومتماسكة.
– لا تختلف المجموعات المتواجدة داخل الغوطة الشرقية عن الأخرى التي كانت داخل حلب سابقا، وهذا المزيج المركب من عدة فصائل، إرهابية أو شبه إرهابية، هو نفسه تقريبا يتواجد اليوم في مدن وبلدات الغوطة الشرقية.
هيئة تحرير الشام
بعد الروابط المتعددة التي ظهرت بينها وبين تنظيم القاعدة المصنف دولياً تنظيماً إرهابيًا، حاولت جبهة النصرة، التي يقودها أبو محمد الجولاني والمصنفة في خانة الإرهاب من الولايات المتحدة التخلّص من هذا الإرث الذي أثر سلبياً على سمعتها، خاصة وأنها تؤكد رفضها لأيّ هجمات على المدنيين ولأيّ ضربات خارج سوريا. لذلك، وبعد إعلانها فكّ الارتباط، غيرت اسمها إلى جبهة فتح الشام، وسوّقت نفسها كبديل إسلامي معتدل مقارنة بتنظيمي “القاعدة” و”داعش”، خاصة وأن عدة معارك وقعت بينها وبين هذا التنظيم الإرهابي الأخير.جاء تشكيل هذا التنظيم في سياق محادثات أستانا، إذ قدمت الهيئة نفسها رافضة لأيّ عملية سياسية يحضر فيها النظام، وقد حاولت الهيئة لمّ الفصائل المسلّحة المعارضة لأجل التوّحد وراء هدف أساسي هو إسقاط نظام السوري وإقامة نظام حكم إسلامي. خلافاً لـ”داعش”، لم تنجح هيئة تحرير الشام في استقطاب مقاتلين أجانب بالكم ذاته. وقد ذكرت عدة تقارير أنها ترغب بالخروج من الغوطة الشرقية مقابل التمدد في مناطق أخرى..
“جيش الإسلام”
يعدّ من أقوى الفصائل المسلّحة في الغوطة الشرقية، خاصة وأن اسمه انتقل من “سرية الإسلام” إلى “جيش الإسلام”، إثر نجاحه في استقطاب الكثير من الكتائب والألوية الصغيرة. أسسه وقاده زهران علواش إلى غاية مقتله نهاية 2015 ليخلفه أبو همام البويضاني. تشير التقديرات إلى أنه يتكوّن من ما بين 10 و15 ألف مقاتل، فضلاً عن توّفره على أسلحة ثقيلة ومتوسطة.
“فيلق الرحمن”
أحد أبرز الجماعات المنضوية تحت لواء الجيش السوري الحر المدعوم من عدة بلدان، وأقل الجماعات المذكورة في هذا التقرير من حيث عدد المقاتلين. لا يضع تنظيم “فيلق الرحمن”، الذي نشط بقوة ابتداءً من عام 2013، إقامة دولة إسلامية هدفاً له وإن كان يضع شعاراً إسلامياً ويؤكد حرصه على مبادئ الإسلام. يركز الفيلق، الذي يقوده نقيب منشق عن الجيش السوري النظامي، في ورقته التعريفية المنشورة على موقعه الإلكتروني على الإيمان بأهداف الثورة السورية والانفتاح على جميع مكوناتها، والوقوف في وجه أيّ مشروع لتقسيم البلد. فيلق الرحمن يضم مجموعة من الألوية، ويقول إنه يتلقى تمويله من الشعب ومجموعة أصدقاء سوريا والغنائم المحرّرة من جيش النظام. وقع توتر ثلاثي بينه وبين “جيش الإسلام” و”هيئة تحرير الشام” في الغوطة الشرقية، ففي البداية أعلن الفيلق أنه سيحارب “الهيئة” لكن “جيش الإسلام” قال إن الطرفين تعاونا ضده. يعلن هذا الفيلق محاربة تنظيم “داعش” وبقية التنظيمات التكفيرية، ويعدّ أحد أبرز الفصائل المسلحة المعارضة التي شاركت في محادثات أستانا، منضماً بذلك إلى مناطق خفض التصعيد مع سوريا، لكن التصعيد الأخير يهدّد بوقف هذا الاتفاق.
“أحرار الشام”
تصف نفسها على موقعها بأنها “حركة إسلامية إصلاحية شاملة، تقاتل في سبيلِ الله”، وأنها تعمل “لنصرة دين الله وإعلاء كلمته وتخليص هذا الشعب من الدكتاتورية والتسلّط لعقود مضت”. كانت شريكة لـ”جيش الإسلام” في مجموعة من العمليات، كما كانت حليفة لجبهة النصرة إطار “جيش الفتح”. وقد سبق لها أن شكرت تركيا وقطر على وقوفهما إلى جانب الثورة، ممّا جعل متتبعين يتحدثون عن وجود دعم مادي من هاتين الدولتين لـ”أحرار الشام”.
كانت قوية جداً في بدايات الحرب السورية، إذ تشير تقديرات أنها اقتربت من 20 ألف مقاتل، ممّا جعلها أحد القوى التي ساهمت في إسقاط مدينة الرقة من قبضة النظام. لكن الحركة التي أسسها حسان عبود، بدأت تتراجع منذ اغتيال غالبية أعضائها في سبتمبر 2014، واستمر تراجعها بعد تأسيس هيئة تحرير الشام، خاصة مع هجرة الكثير من القياديين إلى التنظيم الجديد، ووقوع انشقاقات متعددة هذه الهجرة جعلت الحركة، التي يقودها حاليا حسن صوفان، تغيّر كثيرا من ثوبها السلفي الذي عُرفت به.د ارت معارك كثيرة بينها وبين “هيئة تحرير الشام” بسبب النزاع على مناطق النفوذ، قبل أن يتوصلا إلى اتفاق بينهما. أعلنت مؤخراً عن توحدها مع “كتائب نور الدين زنكي” تحت اسم جديد هو “جبهة تحرير سوريا” مع بدء قصف النظام للغوطة الشرقية، الأمر الذي سيتيح لـ”أحرار الشام” فرصة لتقوية صفوفها من جديد، لكن ذلك متوقف على استمرار هذا التحالف.
“كتائب نور الدين زنكي”
اشتُهرت هذه الكتائب بأنها سريعة التحالف، وفي الوقت نفسه سريعة الخروج من هذه التحالفات، ممّا جعلها غامضة الاصطفافات. يقودها توفيق شهاب الدين منذ تأسيسها عام 2011، وقد كان لها حضور قوي في مدينة حلب ضمن “جيش المجاهدين” التي تأسس للقضاء على “داعش”. تتحدث عن تبنيها للإسلام الوسطي المعتدل، ويصل عدد مقاتليها إلى بضعة آلاف، وقد تأثرت سلباً كثيرا باستعادة النظام لمدينة حلب. تشير الكثير من التقارير أنها تلقت على مراحل متباعدة دعماً مالياً من السعودية في إطار “جيش المجاهدين”، وكذلك من الولايات المتحدة في إطار برنامج أمريكي ضد “داعش”. كما تلقت الحركة، بشكل رسمي، تدريباً من القوات التركية. تأثرت صورتها سلبياً عندما أظهر شريط فيديو قيام مسلحين منها بذبح طفل، وهو ما نددت به قيادة الحركة، كما اتهمتها منظمة أمنستي، بقتل وتعذيب صحفيين وعمال إنسانيين في حلب، إلى جانب مجموعات أخرى كـ”أحرار الشام” و”جبهة النصرة”.
– ايضا لا يختلف رعاة وداعمو مسلحي الغوطة الشرقية عن داعمي مسلحي حلب سابقا، وهؤلاء الرعاة يقاتلون الدولة والجيش في سوريا بنفس المجموعات الارهابية، يتنقلون بهم من جبهة الى اخرى ومن موقع الى آخر، وهم مصرّون على متابعة المعركة ضد سوريا بهم حتى آخر مقاتل منهم، وحيث يتناقص هؤلاء يوما بعد يوم، اما في المواجهات المباشرة ضد الجيش وحلفائه، اما في التصفيات المتبادلة فيما بينهم، يبقى لهؤلاء الرعاة كما يبدو، القدرة على استيلاد وجلب الكثير من المغرر بهم، والمدفوعين على خلفيات مادية او ارهابية او الاثنين معا.
– قد يكون موضوع استغلال المدنين في المعركتين هو الاكثر تشابها، وحيث شكل ذلك في حلب سابقا مادة اساسية، استعملها الغرب وعلى رأسهم الولايات المتحدة الاميركية في مناورة اعاقة تحرير المدينة، عبر قرارات ومشاريع مشبوهة للامم المتحدة، تأخذ اليوم مناورة اعاقة وتأخير تحرير الغوطة الشرقية الطابع نفسه، وايضا من خلال قرارات ومشاريع اممية مشبوهة، في فرض هدنة هي في الظاهر انسانية لادخال المساعدات واخلاء الجرحى، ولكنها في الواقع لوجستية وتكتيكية لتحسين ظروف المدافعة لدى المسلحين الارهابيين، وحيث طرحت الدولة السورية وروسيا حلا، يعالج الحالات الانسانية وحالات اخلاء المدنيين عبر معبر الوافدين المحمي والمراقب، ادار المسلحون الارهابيون ومن خلفهم رعاتهم ظهرهم لهذا الحل، ومنعوا المدنيين من الخروج للحفاظ عليهم كدروع بشرية لمعركتهم.
– ايضا، لا ننسى الملف الجاهز الحاضر دائما، كشمّاعة او كحجّة للتصويب والضغط على الدولة السورية وعلى حليفتها الاساسية روسيا من ورائها، وهو ملف الاسلحة الكيميائية، والذي كما كان حاضرا في حلب سابقا، ولعب دورا غير بسيط في الضغط الدولي على سوريا، هو اليوم جاهز ويتم الاستعانة به كعنصر من عناصر المدافعة عن الارهابيين في الغوطة الشرقية
وقد دفع هذا التصعيد بالأمم المتحدة إلى المطالبة بوقف فوري للعمليات العسكرية، مؤكدة أن الوضع الإنساني بلغ مستويات جد خطيرة، خاصة مع إصابة مبانٍ مدنية كمستشفيات ومدارس، متحدثة عن إمكانية وقوع “حلب جديدة”. أما اليونسيف، فقد اختارت طريقة أخرى للتنديد، إذ أصدرت بياناً أبيضاً، لم تكتب فيه سوى: “لم يعد لدينا كلمات لوصف معاناة الأطفال وغضبنا. الموفد الأممي إلى سورية ستيفان دي ميستورا،رفض أن يقوم الجيش العربي السوري بتحرير الغوطة الشرقية من الفصائل الإرهابية، مدّعياً أن منطقة الغوطة الشرقية بريف دمشق، لن تكون نسخة من حلب.
واشا ر دي ميستورا أن “الأمم المتحدة لم تفقد الأمل ولن تتوقف عن المطالبة بالتنفيذ الكامل لقرار وقف إطلاق النار في سورية.
تتجاهل الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الغربية ما تفعله الجماعات الإرهابية في الغوطة الشرقية من قصف للعاصمة السورية دمشق وقتل المدنيين وتدمير المدارس والبيوت والممتلكات الخاصة والعامة، وحين بدأ الجيش السوري بدعم روسي زحفه نحو الغوطة الشرقية لتخليص المدنيين وتحريرهم من الحصار، بدأ الغرب والولايات المتحدة بالتباكي على التنظيمات المسلحة الإرهابية في الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وبدأ الإعلام الغربي بالترويج إلى أن الجيش السوري يستهدف الأطفال في الغوطة الشرقية، رغم أن الجيش السوري مع الشرطة العسكرية الروسية فتحوا ممرات وبنوا مستشفيات متنقلة وبيوت لاستقبال المدنيين الخارجين من الغوطة الشرقية، لكن الجماعات الإرهابية وعلى رأسها جبهة النصرة و”جيش الإسلام” و”فيلق الرحمن” و”أحرار الشا/” منعوا المدنيين من الخروج واستمروا بقصف العاصمة دمشق، ضاربين بعرض الحائط بقرار مجلس الأمن 2401 الذي ينص على هدنة لمدة 30 يوما تستثنى منه الجماعات الإرهابية المدرجة على قائمة الإرهاب العالمي في مجلس الأمن. وهنا نتساءل لماذا هذه الاستماتة الأمريكية الغربية لإنقاذ الجماعات الإرهابية في غوطة دمشق؟ وما هي هو السر الذي تخبئه الولايات المتحدة في الغوطة الشرقية بريف دمشق؟
عن ذلك يقول الخبير العسكري العميد هيثم حسون انها ليست المرة الأولى التي تبدي الولايات المتحدة والدول الغربية خوفها وقلقها على الجماعات الإرهابية المسلحة في الأرض السورية، وقد رأينا الحملات الإعلامية والدبلوماسية الغربية سابقا في محافظة حلب وقبل ذلك في حمص، والآن تتكرر الصورة ذاتها في الغوطة الشرقية حيث الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية دربوا وسلحوا المجموعات الإرهابية، والأمر الآخر يقال إن هناك المئات من الخبراء الأجانب في هذه المنطقة والذين يشكلون القاعدة العسكرية والعلمية لهؤلاء الإرهابيين، حيث يمكنوهم من استخدام أدق الأسلحة وأحدثها ضد الدولة السورية، وأيضا يقال أن هناك خطة أمريكية كانت تعد لها الولايات المتحدة الأمريكية بالتنسيق مع العصابات الإرهابية الموجودة في الغوطة الشرقية من أجل تأمين عملية الوصل بين هذه المنطقة ومنطقة التنف التي تحتلها الولايات المتحدة الأمريكية، تمهيدا لزيادة الضغط على الدولة السورية انطلاقا من هذه المنطقة التي تشكل خاصرة لمدينة دمشق، بالتالي عامل ضغط كبير على الدولة السورية وكونها العاصمة والمقر المركزي للسياسة والدبلوماسية السورية.
بدو أن موسكو لا تعوّل كثيراً على قرار مجلس الأمن رقم 2401 بشأن الهدنة في الغوطة الشرقية، على الرغم من جهدها الملحوظ في التوصل إلى صيغة القرار. فهي تراقب وتنتظر ما ستؤول إليه محاولة التزام فصائل جيش الإسلام وفيلق الرحمن وأحرار الشام بإخراج جبهة النصرة من الغوطة إلى إدلب، ولا تعوّل على وصول الوعود إلى خواتيمها.
موسكو تقلقها الحملة الإعلامية المحمومة في الدول الغربية التي تتهم الجيش السوري وحلفائه بارتكاب جرائم ضد المدنيين في الغوطة، كما يقلقها أن هذه الحملة الشعواء تأتي متوازية مع اتهام النظام السوري باستخدام أسلحة كيماوية وغاز الكلور في القصف. فهاتين الحملتين تتخذهما دول تحالف واشنطن منهجاً للتصعيد وإمكانية العدوان المباشر على سوريا، كما تثبت التجارب السابقة التي كان آخرها قصف مطار الشعيرات بطريقة هزلية عندما فشلت أسباب التصعيد.
ففي وقت مبكّر من اندلاع الحملات، نبّهت وزارة الدفاع الروسية من احتمال افتعال المسلحين تفجيراً بالمواد السامة بهدف اتهام الجيش السوري باستخدام السلاح الكيماوي. كما أعرب نائب وزير الخارجية الروسي عن قلق موسكو بشأن احتمال استخدام القوّة ضد دمشق. لكن موسكو التي أصرّت على ضمانات من الدول الداعمة للمسلحين من دون نجاح يذكر، لجأت إلى تفكيك قوّة التحريض في الانتقال إلى عرض خطة عملية لحماية المدنيين، وأيضاً نقل مقاتلي النصرة و”داعش” إلى خارج الغوطة الشرقية..
وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو حمل على المسلحين بسبب احتجازهم السكان في الغوطة كرهائن ويعرض فتح ممر إنساني آمن في معبر مخيم الرافدين لانتقال المدنيين وتسهيلاً لخطة منظمات الإغاثة في رفع الحصار عن المناطق السكنية.وأشفعت موسكو خطة العمل لتجنّب المدنيين أهوال القتال مع المسلحين، باقتراح الرئيس الروسي لهدنة يومية مباشرة من دون انتظار مهلة 15 يوماً بحسب مشاورات مجلس الأمن.
موسكو المتمسّكة بإخراج النصرة و”داعش” من الغوطة الشرقية، ونزع فتيل الحرب حول دمشق بالمعركة العسكرية أو بالمصالحات، تواجه ما تسعى إليه دول تحالف واشنطن وراء أحداث الغوطة الدامية. فالممثلة الرسمية لوزارة الخارجية الأميركية، هيزبيرت تاويرت، أفصحت عن الهدف من وراء المراهنة على الغوطة بقولها إن “الغوطة تثبت فشل مسار آستانة”، وهو القول الفصل في بيت القصيد..
الضغوطات المكثّفة التي بذلتها دول تحالف واشنطن في اجتماعات نيويورك وباريس أثمرت بالتعاون مع أنقرة التي لم تغيّر طموحاتها في سوريا، في قطع مسار آستانة المستقل عن تحالف واشنطن. وذلك في تبني مؤتمر سوتشي الأخير النقاط نفسها التي طلبها تحالف واشنطن وهي العودة إلى المربع الأول في مسار جنيف تحت رعاية ستافان دي مستورا.وقد ضمنت موسكو أن عودة المسار على طاولة المباحثات لا تغيّر من المعادلات الميدانية التي حققها الجيش السوري وحلفاؤه على الأرض، وأن هذه المعادلات تفرض نفسها في أي بحث سواء في موضوع المرحلة الانتقالية أم في مواضيع الدستور والحل السياسي.لكن ربما تراهن دول التحالف على الغوطة لاستكمال ما وصلت إليه في سوتشي، أملاً بتغيير المعادلات حول دمشق. وفي هذه الحال قد يكون هذا التغيير الافتراضي مدخلاً لخرق التوازنات الميدانية وفتح الباب أمام إعادة التداول في المرحلة الانتقالية كما جرى في جنيف وفي ملحقات أخرى تمسّ وحدة الأراضي السورية.
يبدو على هذا الصعيد من المخاطر التي تهدد سوريا وتهدّد روسيا وإيران في المنطقة، تواجه موسكو وسوريا وإيران مراهنة تحالف واشنطن على الغوطة. ولا تبدي الدول الثلاث ملامح تراجع عن تطهير الغوطة من المسلحين وحماية دمشق. ليس ثمة شكٍ في أن هذه العملية التي تهدف أساساً إلى تحصين جبهة العاصمة السورية دمشق وتوفير الأمان لحوالي خمسة ملايين مدني سوري يقيمون فيها، ستشكل منعطفاً جديداً في الأزمة السورية يتمثل في جانبين اثنين: الأول هو تفكيك المعادلات الإقليمية التي كرّسها طوال السنوات الماضية المالُ الخليجي وخصوصاً القطري والسعودي عبر تقديم الدعم إلى فصائل الغوطة بهدف إسقاط النظام السوري، وإنهاء جميع مفاعيل هذه المعادلات والقضاء على ما تبقى من ذيول وأذرع كانت تعمل لصالحها. والثاني العمل على بناء معادلات جديدة تتّسق مع طبيعة التغيّرات التي تطرأ على ماهية الصراع، وتكون قادرة على مواجهة تداعيات الصراع الدولي الذي بدأ يرتسم في الأفق السوري..
وقد يفسر ما سبق ظاهرةَ غياب تصاعد مواقف بعض العواصم الدولية مثل واشنطن وباريس ولندن وحتى الأمم المتحدة. وعلى الرغم من أن هذه الدول والجهات حاولت كعادتها العزف على الوتر الإنساني لتبرير مواقفها الرافضة لتحرير غوطة دمشق من جماعات مسلحة بعضها مصنف على قائمة الإرهاب الدولي مثل “هيئة تحرير الشام”، فقد كان من الواضح أن السبب الرئيسي وراء استنفار هذه الدول ضد تحرير الغوطة، يكمن في خشيتها من أن يؤدي نجاح الجيش السوري في السيطرة على الغوطة أو على الأقل تحييد خطرها وتهديدها، إلى إجهاض الخطة الخماسية التي وضعتها هذه الدول بمشاركة كل من السعودية والأردن، الشهر الماضي. وتقضي الخطة بفرض شروط سياسية ودستورية تؤدي في النهاية إلى تغيير النظام السوري. إذ تدرك هذه الدول أن الخطة التي وضعتها تتطلب لإنجاحها وجودَ معادلاتٍ ميدانيةٍ تتيح ممارسةَ ضغوط على العاصمة دمشق، وبالتالي فإن إغلاق ملف الغوطة سواء عسكرياً أو سياسياً سيحرمها من هذه الإمكانية ويجعل من خطتها غير قابلة للتطبيق.
وقد يكون ثمة سبب خفيّ وراء صراخ بعض العواصم ضد عملية الغوطة الشرقية، هو التأثير الإسرائيلي. إذ ستكون إسرائيل من أكثر الأطراف تضرراً جراء تحرير الغوطة الشرقية من “الإرهاب” وما يستتبعه ذلك من تعميق حالة الأمان في محيط العاصمة دمشق، لأنها تدرك أن أي انفراج عسكري لمصلحة الجيش السوري في أي منطقة من المناطق السورية ستكون لها منعكسات سلبية ضدها خاصة في ظل تصاعد التوتر بينها وبين دول محور المقاومة بعد مواجهة العاشر من شباط التي أفضت إلى تغيير قواعد الاشتباك جراء إسقاط الطائرة الاسرائيلية بالدفاعات الجوية السورية. وقد أقرّت الصحافة الاسرائيلية “صحيفة هآرتس على سبيل المثال” بأن هذه التطورات إضافة إلى توجه الجيش السوري نحو الغوطة، قد دفعا بالكيان الصهيوني إلى تغيير سياساته والعمل على زيادة دعمه لأكثر من عشرة فصائل من فصائل الجنوب السوري.
وفي هذا السياق تدل المؤشرات على مدى الأهمية الاستراتيجية لمعركة الغوطة، أن بعض الدول وعلى رأسها الولايات المتحدة وإسرائيل، واظبت على تبرير تدخلها في سوريا بمحاولة تضييق ما تسميه “النفوذ الإيراني”، وعليه تبدي هذه الدول اهتماماً خاصاً بالكوريدور البري الذي بات يربط طهران بكل من العراق وسوريا ولبنان.
وانسياقاً وراء هذا المنطق، فإن معركة الغوطة ستؤدي ضمن نتائجها، إلى إنهاء أي خطر في محيط مطار دمشق الدولي والطريق الذي يربطه عبر القلمون الغربي مع بيروت. فالحملة الإعلامية للدول السابقة تظهر مطار دمشق ومحيطه كمركز نفوذ إيراني يُستخدم لنقل المساعدات الإيرانية إلى حزب الله، ما يدل على مدى أهمية معركة الغوطة لاسيما في إجهاض السياسات الأميركية والإسرائيلية، وبالتالي يمكننا أن نتفهم سبب مطالبة بعض الدول بوقف عملية الجيش والإصرار على فرض هدنة في تلك المنطقة.
وبعيداً عن التحريض الإعلامي في الشأن الإنساني، فإن الجيش السوري مدعوماً بموقف روسي مؤيد، يملك حججاً قوية لبدء أي عملية عسكرية في الغوطة أهمها أن فصائل الغوطة لم تستطع الالتزام ببنود اتفاق خفض التصعيد الذي ينص على ضرورة ترحيل “جبهة النصرة” خلال شهر من تاريخ الاتفاق الموقع في شهر آب الماضي. كما أن هذه الفصائل وعلى رأسها “أحرار الشام” و”هيئة تحرير الشام” التي تشكل “جبهة النصرة” عمودها الفقري، عمدت منذ حوالي ثلاثة أشهر إلى التصعيد العسكري ومحاولة السيطرة على مبنى إدارة المركبات في الغوطة الشرقية. هذا علاوة على موقف دمشق المبدئي بأن اتفاقات خفض التصعيد هي اتفاقات مؤقتة ولا تلغي “حق الدولة السورية في استرجاع سيطرتها على كافة الأراضي السورية” كما صرح وزير الخارجية وليد المعلم أمام مجلس الشعب السوري في شهر كانون الأول / ديسمبر. “.
أخيرا… تبقى النقطة الاكثر تشابها بين المعركتين هي ان الغوطة الشرقية كما مدينة حلب، سوف تتحرر في النهاية من الارهابيين، وكما عادت عاصمة الشمال السوري الى توازنها والى امنها وحياتها الطبيعية، ستعود الغوطة الشرقية واهلها الى كنف الدولة الواسع والى حضن الوطن الآمن، بعد ان تنزع عنها رواسب الارهاب والاستغلال الاقليمي والغربي

Check Also

دعوى عامة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *